عمران سميح نزال
45
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
جديدة للفقه الإسلامي ، وأصول جديدة في علوم القرآن الكريم ، فإن النهضة المنشودة ستبقى دعوى وليس دعوة ، وستبقى حبيسة الأحلام بسبب التقليد الخاطئ للتراث . ومن الأمثلة على صعوبة التجديد في علوم القرآن ما واجه أحد اتجاهات التفسير الحديثة ، وهو التفسير الذي يتحدث عن إعجاز النّظم القرآني ، ويتناول بالدراسة إثبات وجود نظام معين في القرآن الكريم أو في سوره ، وصاحب هذا الاتجاه هو المفسر عبد الحميد الفراهي الذي صنف تفسيرا على منهج الوحدة الموضوعية سماه : « نظام القرآن » ، وفي مقدمة تفسيره أشار إلى دلائل هذا النظام ، واعترف بالصعوبات التي تواجه هذا العلم ، فقد أورد أربعة أسباب مانعة من الإيقان بالنظام مع وضوح الدلالة ، وهي صعوبات تكاد تكون عامة أمام كل تجديد وهي : الأول : وهو أقوى الأسباب ، تبرئة كلام اللّه عن كل عيب وشين ، ولا شك أنه ظاهر النظام والترتيب في كثير من المواضع ، ولكنهم لو ادعوا أن كله منظم والنظام مرعيّ فيه ، لاضطروا في مواضع إلى القول بعدمه ، وذلك لغموضه ودقته ، فتركوا هذا المسلك ولم يحولوه لقصور أفهامهم ، فإن منها ما وجدوه خلاف أصول النظم وتيقنوا أنه لا يمكن فيه تصور نظام ما . . والثاني : هو أن القرآن نزل منجما مفرقا فلا يطلب فيه نظام . الثالث : إكثار الوجوه في التأويل وإكثار الجدل وقال وقيل ، وذلك بأن النظم يجري على وحدة ، فبحسب ما تكثر الوجوه يتعذّر استنباط النظم ، فمن نظر في هذه الوجوه المتناقضة والأقاويل المتشاكسة تحيّر لا يدري ما يختار منها ؟ وأصبح في حجب من النظم الذي يجري من كل جملة في وجه واحد كمن سلك طريقا يصادف في غلوة « 1 » طرقا شتى ، . . . وهو مأخذ لم يطغ على النظام فحسب ، بل طغى على هداية القرآن ومقاصده كذلك . الرابع : إنّ تحزّب الأمة في فرق وشيع ألجأهم إلى التمسك بما يؤيدهم من الكتاب ، فراق لهم تأويله الخاص ، سواء كان بظاهر القول أو بإحدى طرق حمل الكلام على
--> ( 1 ) الغلوة : المرحلة من الطريق .